أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
151
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قراءة الرفع جعل الضمير عائدا على اللّه تعالى ، ولم يذكر غير ذلك ، فيحتمل أن يكون هو الأظهر عنده ، ويحتمل أنه لا يجوز غيره ، والأول أولى . قال بعضهم : « في الضمير المنصوب في « يَأْمُرَكُمْ » على كلتا القراءتين خروج من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات » قلت : كأنه توهّم أنه لمّا توهم تقدّم ذكر الناس في قوله : « ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ » كان ينبغي أن يكون النظم « وَلا يَأْمُرَكُمْ » جريا على ما تقدم ، وليس كذلك ، بل هذا ابتداء خطاب لا التفات فيه . قوله : بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « بَعْدَ » متعلّق بيأمركم ، و « بَعْدَ » ظرف زمان مضاف لظرف زمان ماض ، وقد تقدّم أنه لا يضاف إليه إلا الزمان نحو : حينئذ ويومئذ ، و « أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ » في محلّ خفض بالإضافة ؛ لأنّ « إذ » تضاف إلى الجملة مطلقا اسمية كانت أو فعلية . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 81 ] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 ) قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ : في العامل في هذا الظرف أوجه : أحدها : « اذكر » إن كان الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . الثاني : « اذكروا » إن كان خطابا لأهل البيت . الثالث : « اصطفى » فيكون معطوفا على « إِذْ » المقدّمة قبلها ، وفيه بعد ، بل امتناع لبعده . الرابع : أنّ العامل فيه « قالَ » من قوله : « قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ » ، وهو واضح جدا . و مِيثاقَ يجوز أن يكون مضافا لفاعله أو لمفعوله . وفي مصحف أبي وعبد اللّه وقراءاتهما : « ميثاق الذين أوتوا الكتاب » مثل ما في آخر السورة ، وعن مجاهد بن جبير كذلك ، وقال : « أخطأ الكاتب » وهذا خطأ من قائله من كان ، ولا أظنّه يصحّ عن مجاهد ، فإنه قرأ عليه مثل ابن كثير وأبي عمرو ابن العلاء ، ولم ينقل واحد منهما عنه شيئا من ذلك . والمعنى على القراءة الشهيرة صحيح ، وقد ذكر الناس فيها أوجها : أحدها : أنّ الكلام على ظاهره وأن اللّه تعالى أخذ على الأنبياء مواثيق أنهم يصدّقون بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا ، بمعنى أنه يوصي قومه أن ينصروا ذلك النبيّ الذي بعده ولا يخذلوه ، وهذا مرويّ عن جماعة . الثاني : أن الميثاق مضاف لفاعله والموثق عليه غير مذكور لفهم المعنى ، والتقدير : ميثاق النبيين على أممهم ، ويؤيده قراءة أبيّ وعبد اللّه ، ويؤيده أيضا قوله : فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ . الثالث : أنه على حذف مضاف تقديره : ميثاق أمم الأنبياء أو أتباع ، ويؤيده ما أيّد ما قبله أيضا قوله : ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ . الرابع : قال الزمخشري : « أن يراد أهل الكتاب ، وأن يردّ على زعمهم تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى